عندما نفكر في قارات العالم المختلفة، فإننا نفكر عادة في كتلة كبيرة من الأرض تكون في الغالب منفصلة عن الأخريات،
11/02/2022.جهاد، الفتاة الصّغيرة التي واجهت أشد أنواع التّفرقة العُنصريّة إثر اسمها التي لم تختره بنفسها، بل كان اختيار والديها
.لنخترق ما وراء الحجاب لنكشف حقيقة العنصريّة، والقوميّة، والإسلاموفوبيا بعدسة علمية مُحايدة
كما يعلم معظم الناس، فإن السبب وراء وجود مجموعة واسعة من تدرّجات لون البشرة التي نراها اليوم هو نتيجة كون البشر يعيشون في بيئات مختلفة ويتأقلمون معها. تميّزت البشرة الداكنة بالقرب من خط الاستواء لأنها تحمي الأنسجة من الأشعة فوق البنفسجية الخطيرة، أما في المناطق التي تقل فيها أشعة الشمس، فتتطوّرالبشرة الفاتحة للسماح للجسم بامتصاص ما يكفي من الأشعة فوق البنفسجية لتكوين فيتامين د، وهو أمر ضروري لصحة العظام والجهاز المناعي
يمكن العثور في الوقت الحالي، وبشكل كبير، على ألوان البشرة عبر الطيف الكامل في أي ركن من أركان الأرض. بعض الأماكن تكون أكثر تجانسًا من سواها، نتيجة عوامل مثل الحظر المتعمّد للهجرة الخارجية لعدّة أجيال، أو العزلة الجغرافية الشديدة على المدى الطويل، أو حتى مجرّد المزج الشامل لمجمع الجينات بحيث أصبح متوسط لون البشرة إلى حد ما عبارة عن مزيج متسق من تباين درجات اللون التي كانت موجودة هناك
على الرغم من ذلك، ما زلنا نستخدم الألوان على نطاق واسع لتسمية وتمييز "الفئات" المنظورة من الأشخاص. الفئات الأكثر استخدامًا هي "الأبيض" و "الأسود" و "البني". بالطبع، هناك الفئتان "أحمر" و "أصفر" تستخدمان لوصف السكان الأصليين في أميركا الشمالية والسكان الأصليين في القارة الآسيوية على التوالي، وفي حين أنهما كانتا شائعتين مثل الفئات الأخرى، إلا أنهما أصبحتا منذ ذلك الحين إهانات عنصرية (أو ملوَّنة) وينظر إليها الآن على أنها من المحرمات ومسيئة وغير مناسبة
عندما لا تكون درجة لون البشرة في أقصى أي من جانبي الطيف فإنها بالكاد ذات صلة
كيف يتمّ تصنيف الأشخاص في هذه الفئات، ولماذا، أساسًا، بدأنا في استخدامها؟ عندما لا تكون درجة لون البشرة في أقصى أي جانب من طرفي الطيف فهي بالكاد ذات صلة. لا يمتلك الأشخاص "البيض" بشرة بيضاء حقًا، ولكن لديهم مجموعة متنوعة من الألوان مثل الدرّاق والبني الداكن والبيج، وحتى أكثر قتامة. في الواقع، يصبح الكثيرون من أصحاب البشرة الفاتحة ذات بشرة داكنة جرّاء شمس الصيف، ومع ذلك، ما زلنا نطلق عليهم "البيض". لذا، إذا كانت درجات لون البشرة موجودة على طيف معين، ويمكن أن تتغير بشكل كبير نتيجة العوامل البيئية على مدار عام واحد، فهل يمكننا تصنيفها حتى؟
علاوة على ذلك، غالبًا ما تختلف ألوان البشرة بشكل كبير حتى بين الأفراد من العرق الواحد. بينما نميل إلى التفكير في المناطق الجغرافية التي تنتج مجموعات سكانية ذات لون متجانس، فإن الجينات البشرية في الواقع أكثر تنوعًا. على سبيل المثال، لا تأتي البشرة الفاتحة من جين واحد أصله منطقة واحدة من العالم، بل إنّ للبشرة الفاتحة، في الواقع، أصول عديدة
وفقًا للنتائج الحالية، حدثت طفرة جينية رئيسية تعزز بشرة افتح (SLC24A5) منذ 29000 عام في آسيا وانتشرت لاحقًا في أوروبا. تُعَدّ إفريقيا أيضًا مصدرًا لثلاثة متغيرات جينية أخرى تساهم في الحصول على بشرة أفتح في جميع أنحاء العالم (DDB1 و MFSD12 و HERC2). لذلك فمن المنطقي أن يؤدي هذا الاختلاف في مجموعة الجينات في منطقة معينة إلى وجود مجموعة كبيرة من ألوان البشرة لأفراد السكان الإقليميين
على سبيل المثال، قد يصنف العالم الغربي لون بشرة العرب على أنه "بني"، لكن ألوان بشرتهم، في الواقع، تتراوح بين البني الغامق وصولاً إلى الشاحب. تشتهر الدول الاسكندنافية بأنها "بيضاء"، ولكن هناك العديد من الاسكندنافيين الذين يعتبر لون بشرتهم داكنًا. لم يكن الأوروبيون الجنوبيون، مثل الإيطاليين والإسبان واليونانيين يُعتبرون من البيض قبل قرن واحد فقط، كما أنهم يتشاركون في مناخ البحر الأبيض المتوسط عينه، مثل شمال إفريقيا والمشرق العربي
لكن اليوم، تمّ الترحيب بهؤلاء الأوروبيين الجنوبيين أنفسهم في العرق "الأبيض". لم يتغير لون بشرتهم - لكن ثقافتهم تغيرت. تمّ استخدام تسمية "الأوروبيون السود" في ما مضى للتمييز ضد الإيطاليين وسواهم من المهاجرين من أوروبا الجنوبية في أوائل أيام أميركا، ولكن بمجرد أن استعدّ الجمهور الأبيض لهم وبدأوا يشعرون بهم يُثبتون أنفسهم " فردًا منهم"، أصبحوا فجأة "البيض"، مثل أي شخص آخر.
بالكاد تدور فكرة العرق حول لون البشرة على الإطلاق؛ إنّ الأمر يتعلق بالثقافة. عندما التقى المسافرون الأوروبيون لأول مرة بأشخاص ذوي بشرة داكنة، لم يزدروهم على الفور بسبب لون بشرتهم. لقد نظروا إليهم بازدراء لأنهم اعتبروا أن أنماط حياتهم غير المألوفة "وحشية"، بعد ذلك، ولأنهم لم يمتلكوا القدرة على فهم الاختلافات الجسدية والثقافية بينهم وبين المجموعة الأخرى، أرجعوا "همجيتهم" إلى السبب المختلق الذي يقول بوجوب وجود شيء مختلف بالفطرة بين أصحاب البشرة الفاتحة وذوي البشرة الداكنة. لذلك، أصبح لون البشرة مؤشرًا وظيفيًا للثقافة، وأصبحت درجات لون البشرة الداكنة مرتبطة بالدونيّة
المثال الإيطالي الأميركي المذكور سابقًا هو مثال واضح على كيفية استخدام مفاهيم ضيقة الأفق للعرق للحكم على الناس ولتبرير ذلك الحكم. تشتهر أميركا تاريخياً بالتمييز العنصري اللاذع ضد "السود" بشكل خاص، والذين هم في الغالب من ذوي الأصول الأفريقية. لذلك، بدلاً من القول إنهم لم يحبّوا الإيطاليين لأنهم "سيئون"، صنفهم الأميركيون على أنهم "سود". في الثقافة الأميركية، "عرف" الجميع أن الأسود = سيء، وقد ثبت بالفعل منذ فترة طويلة أن السود هم غرباء وأقل شأناً. لذلك، إذا قاموا بتصنيف الإيطاليين على أنهم سود، فيمكنهم نبذهم بسهولة
لكن هذا ما هو عليه الأمر - لم يطلقوا على الإيطاليين اسم "السود" فقط ، بل سمّوهم "سود أوروبا". لكنهم لو اعتقدوا حقًا أن الإيطاليين هم من السود ما كانوا ليميزوا بين السود في إفريقيا والسود في أوروبا، لأن لون البشرة هو الذي يشير إلى شخصيتك، أليس كذلك؟ فضح الأميركيون البيض أنفسهم من خلال تمييز المنطقة الجغرافية الإيطالية، موضحين أن لون بشرتهم ليس بالضرورة هو ما يزعجهم - بل ثقافتهم وما تمثّله. لم يكن الإيطاليون هم المهاجرون الأوروبيون الوحيدون الذين تلقوا مثل هذه المعاملة - فقد واجه اليونانيون والبولنديون والهنغاريون والسلاف وحتى الأيرلنديون تمييزًا مشابهًا عند وصولهم، وحوصروا في حالة من النسيان الاجتماعي والثقافي لبضعة أجيال قبل أن يثبتوا في النهاية " بياضهم "- ويعرفوا أيضًا بتحيزهم تجاه السود - بما يكفي لقبولهم في نفس الوضع الاجتماعي أو ما شابه
باختصار، كان الأميركيون البيض خائفين من دخول المهاجرين الجدد وإفساد ثقافة التفوق لديهم، وكان على هذه المجموعات الجديدة من المهاجرين العمل بجد لجمع الثروة والمساهمة في المجتمع والمساعدة في حماية تفوق البيض لإثبات أنهم بيولوجيًّا ثقافيا ليسوا أدنى شأنا. وقد فعل معظمهم ذلك، لأنهم رأوا من خلال تحيّز أميركا ضد "السود" كم ستكون الحياة أسوأ فيها إن لم يتم قبولهم على أنهم من البيض. التمييز ضد هؤلاء "المهاجرين الجدد" كان في الواقع مجرد تشوش بين القومية المتشابكة مع العنصرية. أن تكون أميركيًا حقيقيًا كان يجب أن تكون أبيضًا (وكل ما يمثل ذلك)، ومتعصّبًا للبيض
اللون ليس حقًا تحديد مجموعة: أي مزيج من الثقافة والتراث واللغة والأمة أو المنطقة الجغرافية المشتركة هو ما يربط المجموعة معًا ويفصلها عن المجموعات الأخرى. ولكن بسبب اللغة التي نستخدمها لفئاتنا والتاريخ الطويل الذي نتمتع به في ربط درجات ألوان معينة من البشرة بثقافة معينة، فقد أصبحنا عميانًا عن النطاق الواسع للتنوع البشري، وبدلاً من ذلك قمنا بتبسيط الهوية الجسدية الكاملة للأشخاص وهويتهم وصولاً إلى حفنة من مقاس واحد يناسب جميع ألوان البشرة. غالبًا ما يبحث الناس عن أدلة في السمات الجسدية أو الثقافية للفرد بخلاف لون البشرة لتخمين المنطقة الأصلية، ثم يُصنّف هذا الشخص بلون بغض النظر عن لون بشرته الفعلي
لا تعتبر هذه الفروق القائمة على الألوان وسيلة مبسطة وتعسفية لتصنيف الأشخاص بشكل غير عادل فحسب، بل يمكنها اليوم أن تكون ضارّة ضيقة الأفق وحصرية. بالنسبة للأشخاص الذين ليست لديهم السمات الجسدية المستخدمة بشكل عام لتعريف مجموعة وتحديدها - في هذه الحالة ، لون البشرة - فهم، في نظر المجتمع، لا يُنظر إليهم على أنهم جزء شرعي من تلك الثقافة
هل يحتاج اللون إلى تفسير؟
غالبًا ما يتم إخبار الأفراد ذوي البشرة الفاتحة الذين لديهم تراث أفريقي ونشأوا في أميركا الشمالية "السوداء" أو ضمن الثقافة الأوروبية بأنهم ليسوا "سودًا" بما يكفي، أو يُسألون لماذا لا يطلقون على أنفسهم اسم أبيض ببساطة حتى لا يضطروا إلى شرح "لماذا يسمون أنفسهم بالسود عندما لا يبدون سودًا." الشخص الأسود ذو البشرة الداكنة (وبالتالي، وفقًا لمفهوم العرق، من الواضح "أسود") لن يتم استجوابه بنفس الطريقة بسبب الافتراض المتأصل والكامن (وغالبًا ما يكون غير واعٍ) بأن جميع الأشخاص من نفس "العرق" يمتلكون إلى حد ما نفس الثقافة والتراث، وهو أمر من الواضح أنه غير صحيح
لذلك وفقًا لخط التفكير هذا، كلما "بدوت" أكثر مثل عرقك، استحقيت أكثر أن تكون جزءًا منه وتشارك في ثقافته. يمكن لهذه التصنيفات القائمة على ألوان البشرة أن تجرد الناس من تراثهم وثقافتهم، على العكس من ذلك، تفرض عليهم تراثًا أو ثقافة ليست لهم
في حين أن العالم الأوروبي الشمالي "الغربي" الأكثر تأثرًا ب"الغرب" قد اشترك في مفاهيم العرق هذه، لم تكن المناطق الأخرى منشغلة بالألوان بنفس الطريقة. لم يكن للون البشرة نفس الأهمية الثقافية أو الدلالة في العديد من البلدان الشرقية كما حدث في أوروبا والأميركتين. في الهند، على سبيل المثال، تم تصوير العديد من الآلهة السامية بما في ذلك شيفا وراما وكريشنا، على أنها زرقاء داكنة أو سوداء. لكن تصوير لون البشرة هذا لم يكن قائمًا على جينات أناس حقيقيين؛ بدلاً من ذلك، تم اختيار هذه الألوان لأنها ، حسب المقولات، ترمز إلى السحب الداكنة التي تجلب المطر إلى الحقول، وبالتالي، الازدهار الذي يصاحب الحصاد الوفي
لا يقوم النظام الاجتماعي والثقافي الهندوسي أيضًا بشكل أساسي على العرق بل ان الناس ينقسمون تقليديًا إلى طبقات حصرية وراثية ومستمرة من خلال الزواج. كانت جميع الطبقات غير متكافئة مع بعضها البعض وتم تصنيفها حسب التفوق بنفس طريقة تفكير الغربيين في العرق، لكن هذا النظام لا يعتمد على أي نوع من السمات الجسدية. ينتمي الأشخاص من جميع أنواع الاختلافات الجسدية إلى كل طبقة، لأن النظام الطبقي مقسم أساسًا حسب نوع الوظيفة التي لديك، وبالتالي إلى أي مدى " يتم اعتبارك نقيًا". بالإضافة إلى الطبقات الرئيسية، هناك الآلاف من التقسيمات الفرعية الإضافية التي لها العديد من أنظمة الرتب المختلفة، ولكن أيا من ميزات الترتيب لأي طبقة ليست مشتقة من لون البشرة أو أي مفهوم "للعرق
تشتهر الهند بكونها أمة ذات طبيعة متنوعة للغاية، من البشرة الفاتحة إلى حد ما إلى البشرة الداكنة للغاية، ومخزون من ملامح الوجه التي تدير التدرج اللوني. بعض الباحثين الأوروبيين في أوائل القرن العشرين حاولوا تقسيم الشعوب الهندية والآسيوية الأخرى إلى أعراق، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب التعقيد الهائل للاختلافات الجسدية في الهند وأجزاء من جنوب شرق آسيا وميلانيزيا. في ذلك الوقت تقريبًا، كان العلم أيضًا يمر بثورة حيث تمّ طرح الأفكار القديمة واستبدالها بأخرى جديدة، وهذا أيضًا أعاق محاولاتهم في تقسيم وتجميع الشعبين الهندي والآسيوي
إذا انتقلت أكثر إلى الشرق منه إلى الهند، فستجد لوحات يابانية تصوّر لقاءات مع المبشرين الأوروبيين في القرن السابع عشر. تؤكد هذه اللوحات على الاختلافات في أشكال الأنف وفي لون الشعر والعين، ولكنها تصوّر لون بشرة الأوروبيين الزائرين كما لو كانوا هم أنفسهم. في بعض الثقافات الآسيوية، يُشار إلى الأوروبيين أحيانًا باسم "الوجوه الحمراء" أو الأشخاص الحمر" ، بينما في حالات أخرى، يُطلق على الصينيين واليابانيين "الأشخاص البيض
في الواقع، رسمت الثقافات في بعض البلدان الآسيوية خطوطًا للتمييز على أساس لون البشرة ولكن ذلك لم يكن بسبب أي مفهوم للعرق أو التسلسل الهرمي العرقي. في هذه الثقافات تحديدًا، يعكس لون البشرة الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي الاجتماعية: فكلما كانت بشرتك أفتح، كان يُنظر إليك على أنك أكثر ثراءً، لأنك لم تكن مضطرًا للعمل في الهواء الطلق (وبالتالي تسمّرك الشمس). حتى اليوم، فإن بعض الأشخاص من تراث آسيوي معين والذين يعيشون في ثقافات ليس لديها هذا المنظور سيكونون واعين جدًا للخروج في الشمس، واستخدام واقي الشمس، وتغطية بشرتهم عند الخروج، بسبب مفهومهم المتأصل عن المكانة وامتدادا الجمال
في حين أن الفكرة الغربية عن العرق لا تزال مقبولة على نطاق واسع حتى من قبل بعض الأكثر تعلّمًا بيننا، يخبرنا التاريخ أن العديد من الثقافات عبر تاريخ البشرية لديها آراء مختلفة تمامًا. الآراء التي، في كثير من الحالات، أكثر انسجاما مع الواقع البيولوجي لعلم الوراثة لدينا من الفكرة الغربية عن "العرق". إذا كنا نرغب في إجراء أي نوع من التمييز ذو معنى، فيجب أن نرتكز في ذلك على الثقافة والقيم. ففي نهاية المطاف، يتحدث هؤلاء كثيرًا عن هويتنا أكثر من لون بشرتنا، والذي يخبرك إلى حد كبير بمجموعة الترددات الجينية التي حصل عليها الشخص من أسلافه
.جهاد، الفتاة الصّغيرة التي واجهت أشد أنواع التّفرقة العُنصريّة إثر اسمها التي لم تختره بنفسها، بل كان اختيار والديها
.لنخترق ما وراء الحجاب لنكشف حقيقة العنصريّة، والقوميّة، والإسلاموفوبيا بعدسة علمية مُحايدة


